يحيي بن حمزة العلوي اليمني
84
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المحسوس بالمحسوس كقوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ الصافات : 49 ] وقوله تعالى : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 58 ] والأعلام جمع علم ، والعلم يطلق على الجبل ، وعلى الراية ، وكل واحد منهما صالح للتشبيه هاهنا ، لأن المقصود هو الظهور والبيان ، ومن بديع التشبيه ورقيقه ما أنشده بعض الأذكياء . وكأن أجرام السماء لوامعا * درر نثرن على بساط أزرق « 1 » وقول بشار : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه « 2 » إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ حذف الفاء من قوله إِنْ لأن الغرض اتصال هذه الجملة بما قبلها كأنهما أفرغا في قالب واحد وسبكا معا ، ولو جاءت الفاء لأبطلت هذا السبك ، وحصلت المغايرة بينهما ، وزيدت الفاء في فَيَظْلَلْنَ دلالة على حصول الركود عقيب الإسكان ، ولو حذفت زال هذا المعنى وبطل ، وهو مقصود ، وجاء بأن في قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ من غير ذكر الفاء دالا على اتصال هذه الجملة بما قبلها مندرجة تحتها لا تباين بينهما ، ومجىء الفاء دليل الانفصال فيبطله ونظيره قوله تعالى : اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ [ الحج : 1 ] وقوله : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [ يونس : 55 ] وغير ذلك وإذا أريد التقاطع بين الجملتين جاءت الفاء كقوله تعالى : وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ هود : 115 ] وقوله تعالى : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] إلى غير ذلك ، وجاء بأو في قوله أَوْ يُوبِقْهُنَّ دلالة على التخيير ، لأن المعنى إن نشأ نبتل المسافرين بأحد بليتين ، إما ركود السفن على ظهر الماء لأجل سكون الريح ، وإما باشتداد العصف في الريح ، فيحصل الإهلاك لهن ، وجاء بالواو في وَيَعْفُ دون « أو » دلالة على سعة الرحمة بالعفو عن كثير من الذنوب . فانظر ما أحسن موقع « أو » هناك وما أعجب موقع « الواو » هنا ، ولنقتصر على ما ذكرناه من الآي القرآنية ، فإنه لا مطمع لأحد في حصر عجائب القرآن ولطائف أسراره ، فإن في بحره غرقت عقول العقلاء ، وتضاءلت دون الإحاطة بمعانيه أفكار الحكماء .
--> ( 1 ) البيت لأبى طالب الرقى وهو من شعراء اليتيمة ، وفي الإيضاح ص 214 . ( 2 ) البيت لبشار بن برد ، ديوانه 1 / 318 ، والمصباح 106 ويروى « رءوسه » بدل « رؤوسنا » .